الشيخ محمد علي التسخيري

68

محاضرات في علوم القرآن

القرآن وحي نفسيّ لمحمّد ( ص ) وخلاصة ما قيل في صياغة هذه الشبهة : أنّ محمّدا صلّى اللّه عليه وآله قد أدرك بقوّة عقله الذاتيّة - وبما يتمتّع به من نقاء وصفاء روحي ونفسي - بطلان ما كان عليه قومه من عبادة الأصنام ، كما أدرك ذلك أيضا أفراد آخرون من قومه . وإنّ فطرته الزكية - بالإضافة إلى بعض الظروف الموضوعيّة كالفقر - حالت دون أن يمارس أساليب الظلم الاجتماعي من الاضطهاد ، وأكل المال بالباطل ، أو الانغماس في الشهوات ، وارتكاب الفواحش كالاستمتاع بالسكر والتسرّي وعزف القيان وغير ذلك من القبائح . وأنه طال تفكيره من أجل إنقاذهم من ذلك الشرك القبيح وتطهيرهم من تلك الفواحش والمنكرات ، وقد استفاد من النصارى الذين لقيهم في أسفاره أو في مكة نفسها كثيرا من المعلومات عن الأنبياء والمرسلين ممّن بعثهم اللّه في بني إسرائيل وغيرهم ، فأخرجوهم من الظلمات إلى النور . كما أنه لم يقبل جميع المعلومات التي وصلت إليه من هؤلاء النصارى ، لما عرض للنصرانية من الأفكار الوثنيّة والانحرافات ، كألوهية المسيح وامّه ، وغير ذلك من البدع . وانه كان قد سمع أنّ اللّه سيبعث نبيّا مثل أولئك الأنبياء من عرب الحجاز بشّر به عيسى المسيح وغيره من الأنبياء ، وتولّد في نفسه أمل ورجاء في أن يكون ذلك النبيّ الذي آن أوانه . وأخذ يتوسّل إلى تحقيق هذا الأمل بالانقطاع إلى عبادة اللّه تعالى في خلوته بغار حراء . وهنالك قوي إيمانه وسما وجدانه ، فاتّسع محيط تفكيره وتضاعف نور بصيرته ، فاهتدى عقله الكبير إلى الآيات والدلائل البيّنة في السماء والأرض ، على